Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
عام

اسكريبت

“هتفضلي طول عمرك لوحدك، لأنك ما تستاهليش تكوني مع حد” الجملة دي كانت بتتكرر في دماغها بصوت خطيبها اللي سابها، وهي واقفة قدام المراية، بتبص لملامحها الباهتة والهالات السودة اللي حوالين عيونها اتردد بعده صوت والدها، وكأن نغمة صوته بتخنرق عقلها:

 

“اللي زيك يتدقن بالحيا”

” إنتي فاشلة”

” هنستنى إيه منك؟! أنا مش عارف انا عملت إيه في حياتي عشان ربنا يبتليىي بيكِ؟!”

وصوت والدتها، بتقولها وهي شايلة همها كأنها مىصيبة:

“عيني عليا وعلى بختي! أنا عملت إيه يا ربي عشان يكون ليا بنت زيك؟! حقه خطيبك يسيبك، هو مين اللي هيرضى بيكِ يا وش الفقر؟!”

حست بخىنقة، وانفاسها بقت تقيلة لدرجة أنها مش قادرة تاخد نفسها، الضغط النفسي، التعب الجسدي،

كل حاجة بقت سودة قدامها

كل اللي كانت محتاجاه دلوقتي حد تسمّع له، حد ترمي عليه همّها وتفضفض، حد يحس بيها… بس هو فين؟!

صحابها؟ آه، كتير… بس مكنش ليها صاحب بجد، مجرد أسماء في تليفونها، ناس بتشاركهم الضحك بس مش الحزن، ناس بتمثل اهتمام لكن مش بتسند

بصت لانعكاس صورتها تاني… وشها مُرهق، تعبان، باهت افتكرت جملة خطيبها وهو بيبصلها ببرود،و بيكىسرها للمرة الألف:

“فوقي لنفسك، وشوفي شكلك عامل إزاي!”

مدت إيديها لعلبة الدوا… دوا منىوّم بتاخده عشان تقدر تنام، عشان تهرب من عقلها اللي مش بيوقف، من الذكريات اللي بتفضل تعيد نفسها زي شريط مش بيرحم

إيديها اترعىشت، العلبة وقعت من إيديها، وحست بدوخة جامدة، كأن في دوامة بتسحبها… للضلمة

حست إن الأوضة ضيقة، مفيش هوا، كأنها بتختنق، رغم إن الجو كان شتا، والمطر برا بينزل… لكنها مكنتش حاسة بأي حاجة غير ضيق في صىدرها، و وجع مالوش وصف

قامت من مكانها بسرعة، طلعت برا الأوضة، وبرا البيت كله

مشيت من غير ما تبص وراها، المطر كان بينزل بغزارة، بس مكنش فارق معاها، كل اللي كانت عايزاه إنها تهرب… تهرب من كل حاجة، من كل حد، حتى من نفسها

مشيت كتير، لحد ما لقت نفسها واقفة عند البحر، الموج بيخبط في الصخور، والريح بتصفر حواليها، لكنها مكنتش سامعة غير صوتها الداخلي، اللي بيصىرخ، اللي متكتّم بقاله سنين

وفجأة، الصىرخة اللي جواها خرجت!

صىرخت بكل قوتها، وراها صىرخة تانية، وتالتة، لحد ما حسّت إن احبالها الصوتية مش قادرة تستحمل، لكن الوجىع اللي جواها كان أكبر من أي وجىع جسدي

رفعت وشها للسماء، وهي بتعيط، دموعها كانت بتختلط بالمطر، صوتها كان بيرتعىش وهي بتشكي لربنا، بتحكيله عن الحمل التقيل اللي على قلبها، عن الوجع اللي مش بيخلص، عن الوحدة، عن الإحساس بالخذلان، عن كل حاجة خنقاها

وفجأة، حست إن المطر وقف

لأ، مش المطر اللي وقف…

رفعت وشها مستغربة، لقت شمسية فوق راسها، حد ماسكها، واقف جنبها

اتسمرت في مكانها، قلبها دق بسرعة وهي بتبص للشخص ده… ملامحه مألوفة، لكن هي مش قادرة تحدد هي شافته فين قبل كده

كان واقف بهدوء، عيونه فيها راحة غريبة، كأنها بتطمنها من غير كلام

بصّلها بـ نظرة كلها دفء، وقال بصوت هادي:

“لا تقنطوا من رحمة الله…”

الكلمات دي نزلت على قلبها كأنها بلسم، حسّت إن فيه حاجة جواها بتلين، وإنها مش لوحدها… وإن حتى لو البشر خذلوها، ربنا عمره ما هيسيبها

كمل كلامه بنبرة فيها حنية غريبة:

“محدش في الدنيا دي يستاهل يكىسر قلبك، غير اللي خلقه… ولما ربنا يبتليك، فاعرفي إن بعد العسر يسر، وبعد الضيق فىرج، وإن ربنا أقرب من أقرب حد ليكي”

حست لأول مرة من سنين إنها مش عايزة تهرب، وإن فيه أمل، حتى لو كان بعيد، لكنه موجود…

فضل واقف قدامها، ماسك الشمسية، وعينيه مثبتة عليها بخوف واهتمام… مش قادرة تستوعب وجود الشخص ده هنا، ولا نظرته اللي مليانة حاجات كتير، حاجات مش قادرة تفهمها

هو نفسه مكنش مصدق إنه واقف قدامها كده، بعد سنين من البعد الصامت، بعد ما كان بيراقبها من بعيد، بيدعي لها أكتر ما بيدعي لنفسه عمره ما قدر يقول لها إنه بيحبها، كان دايمًا بيحس إنه أقل منها، مش متعلم زيها، مش في مستواها، مش مناسب ليها… لكنه كان بيخاف عليها، وبيتمناها حتى لو مش من نصيبه

بس النهارده، وهو شافها بتجري تحت المطر، ملامحها مُرهقة، تعبانة، منهارة… مقدرش يسكت، مقدرش يفضل مجرد مراقب

لقى نفسه ماشي وراها لحد ما وصلت هنا، ولأول مرة، قرر يكون موجود، قرر يواجه، قرر يطمنها

اتكلم بصوت هادي، وهو بيحاول يكىسر حاجز الصمت اللي ما بينهم:

— “إنتِ كويسة؟”

كان سؤال بسيط، بس في نبرته كان فيه خوف حقيقي، واهتمام حقيقي

بصّت له وهي لسه مش مستوعبة، دموعها كانت متحجرة في عينيها، ولسانها تقيل، مش عارفة ترد تقول إيه

حست للمرة الأولى من زمان إن حد شايفها… مش مجرد حد بيشوفها، لأ، حد حاسس بيها

— “إنت مين؟ وبتعمل إيه هنا؟”

سألته بصوت واطي، مبحوح من كتر الصىراخ

اتنهد، وبص بعيد كأنه بيحاول يجمّع أفكاره، وبعدين رجع بصّ لها تاني:

— “مكنش ينفع اسيبك لوحدك كده… شفتك وانتي ماشية، وشكلك كان تعبان ومش مرتاحة، خفت عليكي”

سكتت لحظة، لكن عقلها كان شغال بسرعة

إزاي واحد ما تعرفوش خاف عليها بالشكل ده؟ ليه كلامه كان فيه حاجة أعمق من مجرد قلق عابر؟

— “بس… إنت مين؟”

السابق1 من 3
تابع المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock